سبتة: عام 2025 حصاد دماء المهاجرين على الحدود والبحر

صورة المقال 1

بينما كان العالم يودع عام 2025، كانت أمواج البحر وسياج الحدود في مدينة سبتة المحتلة تسدل الستار على واحد من أكثر الأعوام دموية ومرارة في تاريخ الهجرة بالمنطقة. وصفت مندوبة الحكومة الإسبانية المشهد بعبارة لخصت حجم الكارثة الأخلاقية: “هذا فشل للمجتمع”.


لم تكن عبارة مندوبة الحكومة الإسبانية مجرد توصيف سياسي، بل كانت رثاءً لـ 46 نفساً على الأقل، بينهم أطفال، ابتلعهم البحر أو سحقهم السياج في رحلة البحث عن “خلاص” لم يكتمل. ووفقاً لما أورده تقرير لصحيفة “إل فارو دو سوتة” فإن الحصيلة المسجلة (46 قتيلاً) لا تعكس الحقيقة كاملة، ففي ظل غياب بيانات رسمية موازية من الجانب المغربي تظل الكثير من القصص مدفونة في “منطقة الظل”. منظمة “كاميناندو فرونتيراس” غير الحكومية وثقت من جهتها مآسي أخرى على الضفة الجنوبية، حيث قضى ثلاثة مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء نحبهم على السياج الحدودي نتيجة إصابات أو انهيارات أثناء التسلق، وهي وقائع نادراً ما تجد طريقها إلى منصات الإعلام، ليتم دفن الضحايا في صمت مطبق بلا أسماء أو صور. رسمت “إل فارو دو سوتة” خريطة زمنية للموت خلال عام 2025، كشفت عن وتيرة متصاعدة للضحايا، إذ انطلق العام بالعثور على جثث مغاربة في منطقة “سانتا كاتالينا” بعد إجبارهم على القفز من قارب صيد. ومن بين القصص المؤثرة قصة الشاب حمزة عمراوي (22 عاماً)، الذي عرفته عائلته بعد أشهر من خلال سوار كان يرتديه نُقشت عليه كلمة “أمي”. في فبراير ومارس استمر تدفق الجثث، إذ انتشلت السلطات جثمان الفتى المغربي يحيى (16 عاماً) بعد محاولته عبور حاجز الأمواج، والشاب زكريا زيتوني من مدينة آسفي. ومن ماي إلى غشت تصاعدت المأساة، إذ عُثر على جثتين عند مدخل الميناء. وفي يونيو تم تسجيل ثلاث حالات أخرى، من بينها عبد العالي البلدي، البالغ من العمر 23 عاماً، الذي مكّن حمله بطاقة هويته من التعرف عليه وإعادته إلى المغرب. وخلال شهري يوليوز وغشت تم العثور على ثماني جثث، ست منها في شهر غشت وحده، في مناطق مختلفة من سواحل سبتة. وفي بعض الحالات جرى التعرف على الضحايا، مثل محمد، شاب في العشرين من عمره من تطوان. ووصفت الصحيفة شهر شتنبر بـ”الشهر الأسود”، إذ سُجل كأكثر الشهور فتكاً بالعثور على 12 جثة. وكان المشهد الأكثر إيلاماً هو العثور على جثتي المراهقين “توفيق ومحمد” في منطقة “سرشال”، في تذكير صارخ بأن الموت لا يفرق بين الأعمار. ورغم قتامة المشهد أشاد تقرير “إل فارو دو سوتة” بالعمل المضني الذي قام به مختبر الطب الشرعي التابع للحرس المدني الإسباني. وبفضل هذه الجهود التقنية تمكنت عائلات محدودة من استعادة جثامين أبنائها (مثل حالة الشاب عبد العالي البلدي ومصطفى ريغواني) لإقامة مراسيم دفن تليق بكرامتهم الإنسانية، بعيداً عن أرقام المقابر المجهولة.

تخلص قراءة حصاد عام 2025 إلى حقيقة مفزعة، وهي أن الحدود لم تعد مجرد حواجز جغرافية، بل تحولت إلى “مقبرة مفتوحة” تفتقر إلى التوثيق المتكامل. وبينما تنتهي التقارير الصحفية بانتهاء السنة تبقى عشرات العائلات في المغرب والجزائر ودول إفريقيا جنوب الصحراء معلقة في “انتظار أبدي”، تبحث عن أخبار أبنائها في بحر لا يحفظ الذاكرة، وسط صمت دولي يكرس الفشل المجتمعي الذي تحدثت عنه “كريستينا بيريز”.