يُعدّ الكاتب والناقد السينمائي والمترجم المغربي عبدالله الساورة مبادرًا في تقديم الأدب العالمي للقارئ العربي، ويتجلى ذلك في ترجمته لمجموعة "الكفن" القصصية للكاتب الهندي الكبير مونشي بريمشاند. هذا العمل، الصادر عن دار "خطوط وظلال" للنشر والتوزيع الأردنية، لا يمثل مجرد إضافة إلى حركة الترجمة العربية، بل هو تأكيد لمشروع الساورة الهادف إلى توسيع آفاق التلقي العربي عبر الانفتاح على أدب الشعوب المتجذر في التجارب الإنسانية العميقة.
تُبرز ترجمة الساورة لمجموعة "الكفن" مدى حرصه على إعادة منح النص حياة جديدة مع الحفاظ على روحه الأصلية. يعتمد المترجم على لغة عربية أنيقة وواضحة، قادرة على احتضان العوالم الريفية والهامشية التي يبرع بريمشاند في كشفها. يتجلى في هذا الخيار حساسية الساورة تجاه التفاصيل التي تصنع التجربة الإنسانية داخل النص، مما يمنح القارئ العربي إحساسًا بأن هذه القصص، رغم بعدها الجغرافي، تنتمي إلى بيئته الوجدانية والاجتماعية. يجتهد الساورة في الإمساك بنبرة بريمشاند الواقعية، التي تجمع بين البساطة والعمق، والسخرية المريرة والشفقة المتفجّرة، ونقد الواقع وحماية كرامة الشخصيات. يستمر الساورة في هذا العمل في الاحتفاء بالقصة القصيرة كفن قادر على التكثيف ورسم الشخصيات بدقة. جاء اختياره لمجموعة "الكفن" تحديدًا لإدراكه لطبيعة النص، الذي يُعدّ من أشهر نصوص بريمشاند وأكثرها قسوة وصدقًا. فالقصة، التي تبدو في ظاهرها عن فقر مدقع، تتصل بسياق اجتماعي وسياسي أوسع، وتقدم نموذجًا للإنسان المقهور الذي يواجه قدرًا لا يرحم. تمنح هذه الترجمة القصص شفافية لغوية تعيد تشكيل الألم والهشاشة والإنسانية المتوارية خلف المأساة، لتصبح أقرب إلى القارئ العربي الذي خبر أشكالاً مختلفة من القهر الاجتماعي والاقتصادي. يُبرز عمل الساورة قيمة بريمشاند ككاتب أسس لمرحلة أدبية فارقة في تاريخ السرد الهندي الحديث، مرحلة تتجلى فيها الواقعية الاجتماعية كأداة لكشف شروخ المجتمع وتناقضاته. يعيد الساورة تقديم هذه الواقعية إلى العربية، من خلال ليونة لغوية تسهّل عبور صورة الهند كما عاشها بريمشاند: الهند الفقيرة، المتعبة، التي ينهض أهلها في مواجهة الظلم الطبقي، الهند التي تئن تحت ثقل الاستعمار وتبحث عن صوت جديد يصوغ معنى الحرية والعدالة. يجعل هذا العمل من نصوص بريمشاند مرآة لوجدان عربي يعيش بدوره تحت وطأة تحولات اجتماعية وسياسية لا تقل قسوة. يُظهر الساورة في هذه الترجمة وعيًا نقديًا يتجاوز مجرد النقل اللغوي، إذ يعمد إلى إعادة تأويل بعض الطبقات الرمزية والثقافية في النص الأصلي دون إفساد نبرة الكاتب. يحرص على أن تظهر الإشارات المتصلة بالنظام الطبقي الهندي، والمعتقدات الشعبية، والطقوس الدينية، وأسس الحياة الريفية، بطريقة تتيح للقارئ العربي فهم السياق دون حاجة لشروح متكررة أو ثقل لغوي. يعكس هذا الجهد قدرة المترجم على بناء جسور بين قارئ عربي يعود إلى المرجع الواقعي، ونص هندي يتأسس على ذاكرة جماعية تمتد عبر قرون من الأساطير والطقوس والمعتقدات. يواصل الساورة من خلال هذا الإصدار تعزيز الحضور العربي في فضاء الأدب الآسيوي، وإحياء اهتمام القراء بأدب الهند الغني. يأتي هذا الاهتمام استجابة لحاجة معرفية حقيقية داخل الثقافة العربية، تبحث عن نماذج أدبية مختلفة، وعن أصوات قادرة على تقديم رؤية إنسانية تتجاوز حدود المركزية الغربية. يقدم الساورة بريمشاند كصوت إنساني كوني، تتقاطع تجربته مع تجارب عربية عديدة، لا سيما في موضوعات مثل الفقر، والقهر الاجتماعي، وعلاقة السلطة بالفرد، ووضع المرأة، والأحلام المنهكة التي تواجهها طبقات واسعة في العالم العربي والهند على حد سواء. يُعيد هذا الإصدار فتح النقاش حول دور الترجمة في بناء حوار ثقافي بين الأمم. فترجمة "الكفن" لا تأتي كجهد لغوي محض، بل كاختيار تربوي وجمالي يُعيد إلى الساحة العربية نصًا يرفع من قيمة الإنسان البسيط، ويكشف هشاشة المجتمع حين يتخلى عن أفراده. يمنح الساورة لهذا النص مساحة جديدة للتنفس، فيعيد بعثه بين قراء قد يجدون أنفسهم في ملامح الشخصيات الهندية التي تواجه الجوع والحرمان والظلم الطبقي. يقدم بذلك نموذجًا لترجمة تعيد بناء المعنى ولا تكتفي بتسجيل الكلمات. يؤكد الساورة في مقدمة الترجمة أن التعرف على الآخر ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لفهم الذات. ويجعل هذا الاقتناع من مشروعه الترجمي امتدادًا لوعيه النقدي والسينمائي، حيث يقرأ النصوص من زوايا متعددة: زاوية الإنسان، وزاوية التاريخ، وزاوية الدراما، وزاوية الصورة والسينما. يحول هذا التعدد عمل الترجمة إلى عملية فنية دقيقة تكشف بنية النص الداخلية وتعيد تشكيلها في سياق عربي يملك أدواته الخاصة في الفهم والتذوق. تعيد ترجمة "الكفن" التأكيد على حاجة الثقافة العربية إلى توسيع أفق التعددية داخل المكتبة، وإلى إعادة بناء الجسور مع أدب آسيا الذي يقدم رؤى جديدة للإنسان والعالم. يثبت الساورة، عبر هذه الخطوة، قوة الترجمة حين تصبح فعل تواصل يعيد ترتيب خرائط المعرفة، ويمنح القارئ فرصة لمساءلة ذاته من خلال قراءة الآخر. وهكذا تتحول المجموعة القصصية لبريمشاند، عبر اللغة العربية، من نص هندي محلي إلى نص إنساني شامل، يُقرأ بروح جديدة ويُعاد التفكير فيه في ضوء تجارب عربية معادلة في الألم والأمل.
يضع عبدالله الساورة بهذا العمل حجرًا جديدًا في مشروعه الثقافي، مشروع ينهض على إعادة تقديم الأدب العالمي للقارئ العربي بطريقة تليق بالنصوص الأصلية وتتماهى مع جماليات اللغة العربية. يمنح هذا الجهد لقصص بريمشاند حياة أخرى، حياة تخرج من حدود الهند لتستقر في مكتبة عربية باتت بحاجة إلى أصوات جديدة تضيء دروبها. وبذلك يصبح هذا الإصدار ليس مجرد كتاب جديد، بل خطوة ثقافية وقرائية ذات وزن، تؤكد أن الترجمة، حين تؤدى بشغف وفهم، تصبح فعل مقاومة ضد النسيان، وعملية فتح مستمرة للنوافذ التي تطل على العالم الواسع.